عبد الله بن أحمد النسفي
331
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 69 إلى 70 ] وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 69 ) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ( 70 ) ساءهم مع تفرّقهم ، من إضافة السرقة إليهم ، وافتضاحهم بذلك ، وأخذ أخيهم بوجدان الصّواع في رحله ، وتضاعف المصيبة على أبيهم إِلَّا حاجَةً استثناء منقطع ، أي ولكن حاجة فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وهي شفقته عليهم وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ يعني قوله وما أغني عنكم ، وعلمه بأنّ القدر لا يغني عنه الحذر لِما عَلَّمْناهُ لتعليما إياه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذلك . 69 - وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ ضمّ إليه بنيامين ، وروي أنهم قالوا له : هذا أخونا قد جئناك به ، فقال لهم : أحسنتم ، فأنزلهم وأكرمهم ، ثم أضافهم وأجلس كلّ اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال : لو كان أخي يوسف حيّا لأجلسني معه ، فقال يوسف : بقي أخوكم وحيدا ، فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله وقال له : أتحبّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك ؟ قال : ومن يجد أخا مثلك ، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، فبكى يوسف وعانقه ، ثم قالَ له إِنِّي أَنَا أَخُوكَ يوسف فَلا تَبْتَئِسْ فلا تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بنا فيما مضي ، فإنّ اللّه قد أحسن إلينا وجمعنا على خير ، ولا تعلمهم بما أعملتك . وروي أنه قال له : فأنا لا أفارقك ، قال : قد علمت اغتمام والدي بي فإن حبستك ازداد غمّه ولا سبيل إلى ذلك إلّا أن أنسبك إلى ما لا يحمد ، قال : لا أبالي فافعل ما بدا لك ، قال : فإني أدسّ صاعي في رحلك ، ثم أنادي عليك بأنك سرقته ليتهيأ لي ردّك بعد تسريحك معهم ، فقال : افعل . 70 - فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ هيأ أسبابهم وأوفى الكيل لهم جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ السقاية هي مشربة يسقى بها ، وهي الصّواع ، قيل كان يسقى بها الملك ، ثم جعلت صاعا يكال به لعزة الطعام ، وكان يشبه الطاس من فضة أو ذهب ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ثم نادى مناد آذنه ، أي أعلمه ، وأذّن أكثر الإعلام ، ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه ، روي أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف عليه السّلام حتى انطلقوا ، ثم أمر بهم ، فأدركوا وحبسوا ، ثم قيل لهم أَيَّتُهَا الْعِيرُ هي الإبل التي عليها الأحمال ، لأنها تعير أي تذهب وتجيء ، والمراد أصحاب العير إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ كناية عن سرقتهم إياه من أبيه .